أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
141
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
جنّات » . وهذا تقدير حسن لمقابلة قوله : « وَمِنَ النَّخْلِ » أي : من النّخل كذا ، ومن الكرم كذا . وقدره النحاس « ولهم جنّات » . وقدره ابن عطية : « ولكم جنّات » . ونظيره قراءة : وَحُورٌ عِينٌ « 1 » ، بعد قوله : يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ، بِأَكْوابٍ « 2 » ، ومثل هذا اتّفق على جوازه سيبويه « 3 » والكسائي والفراء . وقدره الزمخشري متأخرا ، فقال : أي : وجنّات من أعناب أخرجناها . قال الشيخ : ودل على تقديره قبل : « فأخرجنا ، كما تقول : أكرمت عبد اللّه وأخوه أي : وأخوه أكرمته » . قلت : وهذا التقدير سبقه إليه ابن الأنباري ، فإنه قال : « الجنّات » رفعت بمضمر بعدها ، تأويهلا : وجنّات من أعناب أخرجناها ، فجرى مجرى قول العرب : أكرمت عبد اللّه وأخوه يريدون : وأخوه أكرمته ، قال الفرزدق : 2031 - غداة أحلّت لابن أصرم طعنة * حصين غبيطات السّدائف والخمر « 4 » فرفع « الخمر » ، وهي مفعولة على معنى : والخمر أحلتها الطعنة . الوجه الثاني : أن يرتفع عطفا على « قِنْوانٌ » تغليبا للجوار ، كما قال الشاعر : 2032 - . . . * وزجّجن الحواجب والعيونا « 5 » فنسق « العيون » على « الحواجب » تغليبا للمجاورة ، والعيون لا تزجج ، كما أن الجنات من الأعناب لا تكون من الطّلع ، هذا نص ابن الأنباري أيضا ، فتحصل في الآية مذهبان . وفي الجملة فالجواب ضعيف ، وقد تقدم أنه من خصائص النعت . والثالث : أن يعطف على « قنوان » ، قال الزمخشري : على معنى : وحاصلة ، أو مخرجة من النخل قنوان وجنات من أعناب ، أي من نبات أعناب . قال الشيخ « 6 » : « وهذا العطف هو على ألا يلحظ فيه قيد « مِنَ النَّخْلِ » ، فكأنه قال : ومن النّخل قنوان دانية ، وجنّات من أعناب حاصلة ، كما تقول : من بني تميم رجل عاقل ورجل من قريش منطلقان . « قلت : وقد ذكر الطبري هذا الوجه - أعني : عطفها على : « قِنْوانٌ » ، وضعفه ابن عطية كأنه لم يظهر له ما ظهر لأبي القاسم من المعنى المشار إليه . ومنع أبو البقاء عطفه على « قِنْوانٌ » قال : لأن العنب لا يخرج من النخل . « وأنكر أبو عبيد وأبو حاتم هذه القراءة ، وقال أبو حاتم : هذه القراءة محال ، لأن الجنّات من الأعناب لا تكون من النخل » . قلت : أما جواب أبي البقاء فيما قاله الزمخشري ، وأما جواب أبي عبيد وأبي حاتم فيما تقدم من توجيه الرفع . و « مِنْ أَعْنابٍ » صفة ل « جَنَّاتٍ » فتكون في محل رفع أو نصب ، بحسب القراءتين ، ويتعلق بمحذوف . قوله : « وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ » لم يقرأهما أحد إلا منصوبين ، ونصبهما إما عطف على « جَنَّاتٍ » وإما على « نَباتَ » ، وهذا ظاهر قول الزمخشري ، فإنه قال : وقرىء « وجنّات » بالنصب عطفا على « نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ » أي : وأخرجنا به جنّات من أعناب ، وكذلك قوله : « وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ » . ونص أبو البقاء على ذلك ، فقال : « وجنّات » بالنصب عطفا على « نَباتَ » . ومثله : « الزَّيْتُونَ
--> ( 1 ) سورة الواقعة ، آية ( 22 ) . ( 2 ) سورة الواقعة ، الآيتان ( 17 - 18 ) . ( 3 ) انظر الكتاب ( 1 / 94 ) . ( 4 ) انظر ديوانه ( 1 / 254 ) ، ابن يعيش ( 1 / 32 ) ، الإنصاف ( 1 / 187 ) ، الكامل ( 1 / 370 ) . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) انظر البحر ( 4 / 190 ) .